سيد محمد طنطاوي
312
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لأنهم لم يمتثلوا ما أجيبوا به ، وإنما نبذوه وراء ظهورهم . وبذلك ترى أن الآيتين الكريمتين تنهيان المؤمنين في كل زمان ومكان عن الخوض في الأسئلة عن أشياء يسوءهم الكشف عنها ، وضربتا لهم الأمثال بحال الذين من قبلهم ممن كانوا يشددون على أنفسهم بالأسئلة عن التكاليف والأحكام ، فلما كتبها اللَّه عليهم كفروا بها ولم يؤدوها ، ولو سكتوا عن هذه الأسئلة التي لا فائدة من ورائها لكان خيرا لهم وأقوم . هذا ، وقد ساق الشيخ القاسمي - رحمه اللَّه - عقب تفسيره لهاتين الآيتين أقوالا متعددة للعلماء فيما يؤخذ منهما من آداب وأحكام ، فقال - ما ملخصه - : قال ابن كثير : ظاهر الآية النهى عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته فالأولى الإعراض عنها : فقد روى الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن أبي هريرة : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم . فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم . وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » . وروى الدّارقطنيّ وأبو نعيم عن أبي ثعلبة الخشني : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إن اللَّه - تعالى - فرض فرائض فلا تضيعوها . وحد حدودا فلا تعتدوها . وحرم أشياء فلا تقربوها . وترك أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » . ثم قال الشيخ القاسمي : ثم رأيت في « موافقات » الامام الشاطبي في هذا الموضوع - مبحثا جليلا قال فيه . الإكثار من الأسئلة مذموم . والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح . وهذه مواضع يكره السؤال فيها : 1 - السؤال عما لا ينفع في الدين ، كسؤال عبد اللَّه بن حذافة : من أبى يا رسول اللَّه ؟ فأجابه أبوك حذافة . 2 - أن يسأل عن شيء بينه القرآن ، كما سأل الرجل عن الحج : أكل عام يا رسول اللَّه ؟ مع أن قوله - تعالى ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْه سَبِيلًا قاض بظاهره أنه للأبد لإطلاقه . 3 - السؤال من غير احتياج إليه في الوقت ، وكأن هذا - واللَّه أعلم - خاص بما لم ينزل فيه حكم ، وعليه يدل قوله : « ذروني ما تركتكم » . وقوله : « وسكت عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها » .